الآثار القانونية المترتبة عن تصرفات المريض بكورونا

الآثار القانونية المترتبة عن تصرفات المريض بكورونا

الآثار القانونية المترتبة عن تصرفات المريض بكورونا: بقلم الأستاذ محمد الزكراوي

مقدمة:

عرف فقهاء المذهب المالكي مرض الموت بكونه كل مرض حكم الطب بكثرة الموت فيه فالمدار على كثرة الموت من ذلك المرض، بحيث يكون الموت منه شهيرا لا يتعجّب منه، ولا يلزم من كثرة الموت منه غلبة الموت به‏.

ولما كان وباء كورونا وبإجماع من أهل الطب والإختصاص على تصنيفه على أنه مرض مخيف، قادر على الفثك بمصابيه لما له من تأثير مباشر على نفسية المريض، قد يجعله يقدم على القيام ببعض التصرفات القانونية التي ما كان ليقوم بها لو كان غير معتل الجسد، وتزامنا مع انتشار هذا الوباء القاتل، نتساءل عن مدى إمكانية اعتبار الإصابة بكورونا مرض من أمراض الموت ؟ ومن جهة اخرى، إذا ما كان الامر كذلك، فماهي الآثار القانونية المترتبة على تصرفات المريض المصاب بكورونا ؟، اسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال فقراتنا التالية:

الفقرة الأولى: مدى إمكانية اعتبار الإصابة بكورونا مرض من امراض الموت.

جاء في قرار محكمة النقض عدد: 7/155 الصادر بتاريخ: 2013/04/02 في الملف رقم: 2011/7/1/1729 الثابت فقها وقضاء أن مرض الموت هو أن يكون المرض مخوفا أي من الأمراض الخطيرة التي لا يرجى منها أي شفاء من الناحية الطبية وتؤدي بصاحبها غالبا إلى الوفاة.

وعليه، فإن مرض الموت هو ذلك المرض الذي يعجز فيه الإنسان عن متابعة أعماله المعتادة، ويغلب فيه الهلاك ويموت على تلك الحال قبل مرور سنة، فإن امتد مرضه وهو على حالة واحدة دون ازدياد سنة أو أكثر، تكون تصرفاته كتصرفات الصحيح، فمرض يؤثر على إرادة الإنسان ويجعله في حالة ضعف عام، يؤدي بصاحبه الاحجام عن عمله الاعتيادي وعن قضاء حوائج، فيعجز المريض عن رؤية مصالحه خارج داره، إن كان من الذكور، ويعجز عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة.

وارتبطا بموضوع مقالنا نتساءل، هل يمكن اعتبار الاصابة بداء كورونا مرضا مخوفا تطبق عليه احكام مرض الموت ؟.

ان من شروط مرض الموت كما جاء في قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 30 اكتوبر 2018 ان يكون المرض المصاب به من الأمراض المخوفة التي حكم الأطباء بكثرة الموت بها ، وان يكون متصلا بالوفاة، وشرط الاتصال يعني ان يكون قريبا منه غير بعيد ، وتقديره بالأشهر اليسيرة، وقد استقر العمل القضائي على ان يكون الاتصال داخل سنة واحدة ، فإذا زاد المرض عن سنة من التصرف لم يكون مخوفا، فتبعا لذلك هل يشترط في المصاب بفايروس كورونا ان يكون مريضا حتى يتأتى لنا اعتباره مرضا مخوفا مؤداه الموت ؟.

إن الاجابة عن هذا السؤال تحيل بنا إلى الوقوف على ما هو مقرر في العمل القضائي وهو يحاول إيجاذ معيار لتمييزه المرض المخوف عن غيره، وفي هذا الصدد جاء في إحدى قرارات محكمة النقض عدد 5431 المؤرخ في 04/12/2012 ملف مدني عدد 403/1/2/2012 والذي جاء فيه: ” انه لا يشترط في مرض الموت المعدم للإرادة أن يكون مقعدا صاحبه عن قضاء حوائجه وملزما إياه الفراش، بل يكفي فقط أن يجمع الطب على أن تحقق الشفاء مستبعد وأن المرض ينتهي عادة بالوفاة، وأنه يمكن إبطال التصرفات بسبب مرض الموت إذا وقعت الوفاة قبل انتهاء سنة من إبرام العقد بسبب المرض.

وعليه، و حيث أنه من الثابت إجماع اهل الطب والاختصاص بأن الإصابة بوباء كرونا يعد مرضا مخوفا و تصنيفه ضمن قائمة وخانة الأمراض الخطيرة التي لا يرجى منها أي شفاء من الناحية الطبية، وتؤدي بصاحبها غالبا إلى الوفاة، وانطلاقا من كون هذا الوباء يستجمع كل شروط ومعايير المرض المخيف، يمكن القول أنه فعلا يعد من قبيل مرض الموت وبالتالي يسوغ تطبيق أحكام وقواعد مرض الموت على كل مصاب به، فالسلامة العقلية للمصاب بوباء كرونا المميت لا تأثير لها على قيام شروط المرض.

الفقرة الثانية: تصرفات المصاب بفايروس كورونا بين الصحة والبطلان:

الأصل أن جميع التصرفات المبنية على المعاوضة من المريض في مرض موته نافذة مادام تام العقل والتمييز ولو بلغت خطورة المرض ما بلغت ما لم تكن تصرفاته مشوبة بالمحاباة أو التوليج.

جاء في قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ : 30 اكتوبر 2018: ( من المقرر فقها أنه لا يكفي لإبطال العطية أن يكون المعطي مريضا، وإنما يشترط ان يكون المرض المصاب به من الأمراض المخوفة التي حكم الأطباء بكثرة الموت بها، وان يكون متصلا بالوفاة ، وشرط الاتصال يعني أن يكون قريبا منه غير بعيد ، وتقديره بالأشهر اليسيرة ، وقد استقر القضاء على أن الاتصال يكون داخل سنة واحدة، فإذا زاد المرض عن سنة من العقد لم يكون مخوفا، والمريض فيه يعد في حكم الصحيح، وعليه فإن تصرفات المريض بوباء كورونا متى كانت متصلة بالوفاة اتصالا قريبا منه غير بعيد، تكون في حكم البطلان وغير صحيحة، لان ذلك فيه غبن له ومضار بمصالحه المترتبة عن استغلال ظروفه المرضية المؤثرة في سلامة تصرفاته، لكن ماذا لو كان تصرفه منصب على وصية يوصى بها ؟.

جاء في قرار غرفة الأحوال الشخصية و الميراث القرار عدد 460 الصادر بتاريخ 07 يونيو 2016 في الملف الشرعي عدد 2015/2/2859 ” أنه لا مانع شرعي من أن تكون وصية المريض مرض الموت، مؤسسة على مقتضيات المواد 277 و 278 و219 من مدونة الأسرة، قاصدا بها وجه البر و الإحسان في حدود الثلت من تركته، اما بخصوص تصرفاته المتعلقة بالصدقة، فالمتصدق إذا كان يعاني من مرض كورونا، بإعتبار ه من الأمراض المخوفة التي حكم الأطباء بكثرة الموت به، وأنه تصدق بعد أن أقعده المرض الفراش واشتد به واتصل به إلى أن توفي، فإن تصرفه ذاك لا يعثبر صحيحا، و هو الموقف الذي صارت عليه محكمة النقض في قرارها عدد161 الصادر بتاريخ 28 يناير 2012 في الملف الشرعي عدد: 484/2/1/2010 حيث جاء فيه كون المقرر فقها أن بطلان الصدقة لمرض الموت مقرر لمصلحة الورثة والدائنين، ولا ينظر فيه إلى أهلية المريض وعوارضها، وإنما النظر فيه إلى شروطه المعتبرة شرعا، فما دام المتصدق كان يعاني من مرض السرطان وهو من الأمراض المخوفة التي حكم الأطباء بكثرة الموت به، وأنه تصدق وهو بحاله بدار بعد أن أقعده المرض الفراش واشتد به واتصل به إلى أن توفي حسبما هو ثابت من الملف الطبي المستدل به، فإن المحكمة لما التفتت عن النظر في مدى توافر علاقة المرض بموته وجنحت إلى النظر في مدى سلامة إرادته للتصدق، واعتبرت إرادته سليمة رغم أنه بحال مرض مخوف أقعده الفراش واتصل بموته وتصدق وهو بحالة تكون قد خرقت القانون المتمثل في القواعد الفقهية الواجبة الإعمال في النازلة.” ونفس الشيئ ينطوي على تصرفات المريض بكورونا المنعقدة على اساس الهبة،حث تعد باطلة،على اساس ان عقد الهبة المبرم من الهالك المصاب بكوروتا يعثربر تبرعا في حالة المرض المخوف مما يجدر القول ببطلانه وعدم صحته، وهكذا جاءفي قرار محكمة النقض عدد21 صادر بتاريخ2015/1/20 ملف شرعي عدد 2013/1/2/412 بأن إصابة الواهب بمرض التشمع الكبدي المزمن – مرض مخوف – ابطال الهبة – نعم – و اعتبرت المحكمة ان المرض الذي أصيب به الهالك مرض موت وهو المرض المخوف الذي حكم الطب بكثرة الموت منه لاستمراره وأتصاله بالهالك الى حين وفاته، استنادا الى الخبرة التي افادت فيها بان الهالك كان مصابا بمرض التشمع الكبدي المزمن الذي أدى في النهاية الى مضاعفات تجلت في ظهور اعتلال دماغي وكبدي، و أن هذا المرض كان في مرحلة متقدمة حسب الشواهد الطبية الموجودة بالملف، ورتبت على ذلك ان عقد الهبة المبرم من الهالك تبرعا في حاله المرض المخوف و قضت بإبطاله، تكون قد جعلت لما قضت به أساسا و عللت قرارها تعليلا سائغا قانونا”.

لفقرة الثالثة: حكم تصرفات الوكيل أثناء مرض الموكل بمرض الموت؟.

من المعلوم أن من أحد حالات انتهاء الوكالة إما بإتمام العمل الموكل به، او بانتهاء الأجل المحدد لها، أو بوفاة الموكل أو بخروجه عن الأهلية إلا إذا تعلق بالوكالة حق الغير. وإن الأهلية المطلوبة في الموكل والوكيل يجب أن تحقق عند ابتداء الوكالة وطيلة إستمرار هذه الوكالة وبالوقت الذي يباشر فيه الوكيل التصرف لأن ما يشترط لابتدائه يشترط لاستمراره، فعليه تكون الوكالة التي يتم بها البيع باطلة حيث يشترط لصحة الوكالة أن يكون الموكل حين التوكيل وحين مباشرة التصرف الموكل به مالكاً بحق التصرف فيما وكل فيه،وهو ما لا يمكن تصوره في المصاب بداء كورونا حيث ان ملكيته للاشياء تكون مقرونة بصحة وسلامة تصرفاته التي هي معيبة قانونا بسبب الاصابة بالمرض.وعليه تكون اعمال الوكيل لفائذة موكله المصاب بظاء كرونا موقوفة الى حين تماثله للشفاء، وما تجدر الإشارة إليه هنا أن القانون افترض أن البيع في حالة مرض الموت أنه بيع على سبيل التبرع، وذلك بسبب إستغلال الحالة المريضة السيئة التي يعاني منها الشخص المريض مرض الموت، نتيجة الظروف التي أصابته من ذلك المرض.

رابط مختصر
2020-05-17
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

hadat press