الأديب حسن بنونة يكتب عن رومانسية الواقعية

الأديب حسن بنونة يكتب عن رومانسية الواقعية

النص التالي هو بقلم سعيد يفلح العمراني،  وسيقوم بتحليله فيما بعد الأستاذ والأديب حسن بنونة :

جلستُ هنا أتذكر طفولتي البدوية .. أسترجع شريط أحداث رُسمت فوق أديم المكان، وظلتْ ثابتة في قلبي بعد أن عفّها الزمان ولم تبق إلا أطلال أتكئ عليها برفق،هنا تجسد ربحي لرهان بدأ باتفاق صارم..أن أحصل على نتيجة دراسية متفوقة جدا مقابل أن أسمح لك يا بنيّ بالمكوث في البادية طول العطلة إلى عودة الدخول المدرسي الجديد، كان هذا الاتفاق بيني وبين أبي رحمه الله، والآن أعترف أنه كان عبقريا في التربية وسيظل عبقريا في حياتي..وطبعا قرأت عبقريات العقاد كلها..كان يعرف نقطة ضعفي وهي حبي للبادية، وراهن بهذه الورقة التي لا تعرف الخسارة والإفلاس، كان يعرف أن الطفل والبادية أسلم من الطفل والبحر، وأسلم من الطفل وأبناء الحي الشعبي الذي ترعرعت فيه،كان يعرف أن البادية لا تدخين فيها ولا مخدرات، وأن نخبة الشيوخ هي التي استبدت بدخان وتدخين السيبسي لتكريس كمال السطوة والفحولة،كان يعرف أن قمة شغبي لن تتعدى ركوب الحمير والسباق بها من غير سروج، وصيد العقارب بنبتة * تاركيل * وهدم شهد الدبابير، والسباحة في برك الخنادق، كان يعرف أن كل أهل القرية ملائكة وأننا مهما أذنبنا سيشفعون لطفولتنا البريئة،كان يعرف أن الربح في خانة الرهان مخبوء في صرامة جدتي رحمها الله وهي توقظنا رغما عنا للتوجه في الفجر إلى المسجد لحفظ القرآن مع أقراني البدويين ونحن نمضغ الزبيب، كان يعرف أنه لو تركني في المدينة والحي فإن خارطة رأسي ستزداد ثقوبا وندوبا وربما فواهات بسبب الشجار والشغب، ومهارتي في الرجم..هكذا أنا هنا أسترجع ذكرياتي في هدوء..جالسا على عتبة ترابية طالما جلس عليها الأخيار ممن رحلوا..وهم يستقبلون عودة قطعان الماعز والبقر،ويرحل بي فكري إلى حيث الأفق كأنني أكتب تاريخا لن يعرفه إلا من عاشه وعايشه..

رومانسية الواقعية : قراءة تحليلية في النص السابق، بقلم الأديب الأستاذ حسن بنونة:

سيرة ذاتية بوصف روائي دقيق اتجاهه واقعي بالأمكنة والأزمنة المعايشة وما تختزله من ذكريات الكاتب في علاقته مع الأب والجدة والأخيار الذين رحلوا والأصدقاء المشاغبين مثله.

اتجاه واقعي في الكتابة يتعزز بدقة في الوصف وكأننا نسترجع بالقاموس التعبيري المختار الأسلوب البلزاكي الفرنسي Honoré de Balzac الذي لا يترك صغيرة وكبيرة إلا وذكرها وحيث غنى الرصيد المعجمي الشامل و الكافي للتعبير عن كل شيء في أدق تفاصيله وذاك هو التمكن من الإتجاه الواقعي في الكتابة الروائية.

فالمكان الموحي بالرومانسية يتداخل بالواقعي ليعطينا ويرسخ لنا صعوبة وضع الحدود بينهما ويجعل لهذا التمازج الذي تتخلله صورا بلاغية تشخيصية للكائن او الشيء المكون للطبيعة انعكاسا جدليا لدى السارد في حوار دائم مع محيطه القروي تضفي عليه بالأسلوب جمالية واسططيقا يتفرد بها الكاتب بامتياز.

فعزلة الكاتب بالمكان وانفراده وفردانيته ليحل في أحضان الطبيعة التي يتقاسم معها تاريخه وتذكره بماضيه وحاضره للتو مستمعا ومتخشعا يزيد ويقوي نظرته ذات الإتجاه الرومانسي التي تتأسس على الفردانية المنصهرة داخل الفضاء الطبيعي بأشجاره وعصافيره ونباتاته الشوكية ومرتفعاته…بوصف واقعي لكل مايثير الحزن أو الفرح.

إن هذا النص المكثف في باطنه لا يخرج عن البنية الإبداعية المتعددة والغنية بأسلوبها وبلاغتها وأحداثها وأغراضها واتجاهاتها للشاعر والسارد والكاتب المتألق سعيد يفلح العمراني.

رابط مختصر
2019-07-24
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

hadatpress