الدعارة السياسية.. انقذونا من الأمراض المنقولة سياسيا

الدعارة السياسية.. انقذونا من الأمراض المنقولة سياسيا

ذ. الكبير الداديسي

مر أسبوع على انطلاق الحملة الانتخابية لتشريعيات السابع أكتوبر 2017 وفي الوقت الذي يعمل كل حزب على استمالة الناخبين للتصويت لصالحه، يلاحظ خفوت هذه الحملة ، وبين ارتفاع الأصوات الداعية للمقاطعة الفاقدة للثقة في أي فاعل سياسي مهما كان لونه، والأصوات المتعلق بحبال الأمل في التغيير والتائهة بين خطاب التحالف الحاكم وخطاب المعارضة… نتيجة تشابه البرامج الانتخابية ، وخلط للأوراق مما أفقد السياسة نبلها، وغدا هدف الوصول إلى الكرسي والاستفادة من الحصانة البرلمانية مكشوفا، و اتباع السياسيين كل ما يحقق لهم ذلك حتى لو استدعى الأمر البكاء والتسول والاحتيال والنفاق والكذبـ أو شراء الدمم والمتاجرة في بؤس الضعفاء، وهو ما حول الانتخابات إلى ما يشبه النزوةو إشباع رغبة المرشح في الوصول إلي الكراسي .. فتاه نبل السياسة في ميدان للدعارة السياسية الانتخابوية…

إذا كانت الدعارة – وهي محرمة في الديانات السماوية الثلاث ففي القرآن الكريم عدة آيات تحرم الدعارة وتعاقب الزاني والزانية مائة جلدة وقد تصل عقوبتهما حد الإعدام رميا بالحجارة إذا كانا متزوجين ، وفي المسيحية تعتبر الزنا خطيئة تبعد البشر عن الله وتعتبر وصية ((لاتزن )) إحدى الوصايا العشر – فإن الدعارة السياسية تبدو سلعة رائجة هذه الأيام لا قوانين تضبطها، ولا ديانات تحرمها .

لن يكون التعبير استعاريا إذا أطلقنا مفهوم الدعارة السياسية على ما نعيشه اليوم ما دام الهدف واحد فإذا كان الرائج في الدعارة هو بيع الجسد بمقابل مادي، وإتباحة كل الوسائل لإغواء الزبون بإظهار المفاتن، والغنج في الحركات، وترك كل القيم والأعراف في الخلف … فإن السياسي عندنا غدا لا يختلف في شيء عن ذلك، يكذب ، ينافق ، يبكي ، يستجدي أصوات الناخبين، يبيع الوهم ، ويفرق الوعود المعسولة ذات اليمين وذات الشمال، ويعد بأشياء يعرف هو مسبقا بأنه لن يلتزم بتحقيقها … من أجل المال فقط أو المنفعة الشخصية الضيقة ، مع تغييب المصلحة الجماعية ،واستحضار القصد ، وتوظيف كل السبل من أجل الكسب أو الوصول للكرسي أو التمتع بالحصانة : إن الدعارة السياسية ضرب من الدعارة والعلاقة بينهما علاقة الخاص بالعام لاجتماعهما في عدة خصائص منها : – الدروشة والمسكنة والتظاهر بحسن الأخلاق ، التأثير في الزبون ولو بالبكاء بدل الإقناع والحجة دونما الحديث عن المواطنة والحقوق والواجبات ، دون استحضار خدمة الصالح العالم ومصلحة الوطن… – التحالف غير الطبيعي، فإذا كانت الدعارة تنتصر لمن يدفع أكثر بغض النظر عن الشريك، فمن أجل المتعة أضحى الحزب أو التنظيم السياسي يتحالف مع نقيضه الإيديولوجي ، فيترك الحزب اليساري سِرْبَهُ ليتحالف مع اليميني ، ويتحالف الإسلامي مع الشيوعي من أجل الظفر والكرسي في مظهر يعكس بجلاء أرذل صور الدعارة المنحطة والجنس الرخيص على حافة الطرق . – التنصل من الالتزام وتغيير اللون في أية لحظة ويكفي طرح حالة أمين عام حزب العهد الديمقراطي وبعد أن زكى مرشحيه وصادق على برنامج الحزب يفاجئ قواعد حزبه بترشحه وكيلا للائحة حزب العدالة والتنمية مع إصراره على حفاظه بصفة الأمانة العامة لحزبه .

– العمل في السر والأقبية المظلمة ، فإذا كان في الدعارة يتم تستدرج الزباء بعيدا عن الأنظار فإن العمل الحقيقي لسياسينا لا يتم إلا بنفس الطرائق بالانفراد بالناخب عبر الجلسات الدعوية، المأذبات والولائم، لتبقى الحملات الانتخابية تحصيل حاصل وضعيفة التأثير في تغيير المواقف .

– التظاهر بمساعدة الزبون وإسعاده إذ يمكن تشبيه المسترزقين بالسياسة الذين يلبسون أحلى ما لديهم من ثياب ، ويعرضون أنفسهم على الزبناء استدرارا عطفهم ، والسعي لتلبية مطالبهم ، والسماح لهم بتجاوز القوانين ، وغض الطرف عن بنائهم العشوائي ومنحهم الرخص وو… فقط من أجل الحصول على أصواتهم ، يمكن تشبيههم بتلك التي تعرض مفاتنها وتسعى بكل الطرق للإيقاع بضحيتها فتكشف صدرها وتعري ساقها، وتبسبس على المارة من أجل الحصول على المال دون الطمع حتى في إشباع غريزتها …فإذا كانت العاهرة لا يهمها إلا المال فتقدم جسدها الفاقد للحرارة وهي تمضغ علكتها بطريقة ماجنة لا تبالي للزبون المتعطش لإطفاء شبقه فإن السياسي يدخن المفاهيم ويلوك الكلمات ولا يرى في الزبون سوى صوتا قد يتفوق به على خصمه . ويساعده على الوصول للكرسي..

وعلى الرغم من هذا التشابه الكبير بين الدعارة والعهر السياسي فإن بينهما فروقا كبيرة تجعل العهر السياسي أحط وأرذل ؛ فإذا كان كسب الزبون في الدعارة يتطلب القد الممشوق والقوام الأهيف والوجه الشبابي، والكلام المليح … فإن الدعارة السياسية في بلادنا غدا مُمارسُها بَشِعاً مرعبا كبير السن غطت وجهه التجاعيد فاقدا لأسنانه، كلامه فارغ بدون فائدة، و يستهوي أحدا لذلك لم يقبل عليه أحد وانحطت قيمته في سوق الدعارة .. يتشدق بكلماته ولا يجد الآذان الصاغية فأصبح همه استهداف القاصرين ، واستمالة الأميين والفقراء والاحتيال عليهم مع سبق الإصرار والترصد بفتح محلات موسمية للدعارة السياسية في كل مسجد ،درب، حي وبار دون ترخيص… مستعرضا مفاتنه مستدرجا ضحاياه من الأميين والمبتدئين السياسيين. بعدما الراشدون السايسة خوفا من أن يصابوا بعدوى الأمراض المنقولة سياسيا ..

لإعادة الاعتبار للسياسة ، والحفاظ عليها كفن وعلم يمكنه تحقيق الممكن في ظل الإمكانات المتاحة ومجالا للإقناع ومقارعة الأفكار ، وجعلها عملية ومنهجا لتدبير الشأن العام وإخراجها من الدعارة وممارسة العادة السرية إلى العلاقة الشرعية والقانونية يجب سن حد أدنى من القيم، وتوفير منتوج يساير العصر بالتخلص من الأفكار التي تعود لعصر الديناصورات، والتي أدخلت السياسة في بلداننا سن اليأس والبوار ، فستيأس عدد من الناس من إمكانية بعث الحياة في جسدت سكنته كل الأمراض المزمنة، ولن يكون هناك أمل في استأصال ما ينخره من أورام سوى بقوانين صارمة يمنع على الشخص ولوج السلطة التشريعية لأكثر من ولايتين، والتخلص من تلك الكائنات البرلمانية التي سكنت البرلمان منذ افتتاحه، و فرض حد تعليمي معين فيمن يفترض فيه وضع قوانين قد ترهن البلاد لعقود، ومعاقبة كل من يغير لونه قبيل أو بعيد الاقتراع، فأحط أنواع الدعارة السياسية أن يصوت الناخبون على سياسي وفق برنامج قضى وقت يقنع الناس بوجاهته ونجاعته وما أن يجلس على الكرسي حتى يخلع جلده وينضم لحزب آخر طمعا في كرسي أريح ، أو ليظفر بوزارة ….

السياسة نبل وأخلاق ، تكليف قبل أن تكون تشريف، وإذا فُتحت في وجه المتورطين في الفضائح الأخلاقية والمالية والسياسية ، وتقدم لها حزب لا يستطيع كشف وجوه مرشحاته، ، وآخر يروج شعارات العفة والطهر ومعظم مرشحيها متورطين في قضايا الآداب ، وأحزاب تدعي الديمقراطية و تعطي الأولوية للأقارب فتجد جزبا يرشح كل افراد عائلته (الزوج، الزوجة، الابن والبنت..) فقد تأكد أن الحزب الحاكم في بلادي رشح أمينه العام وزوجته وابنهما وبنتهما، كما تصدرت زوجات قياديه وأخواتهم عدد من اللوائح في ربوع المملكة…

لذلك قد نجد العذر لأولئك الذين عزفوا عن السياسة بالتلقيح ضد الأمراض المنقولة سياسيا ، وإن كان المستفيد الأوحد من كل عزوف هم المتاجرون بالدين ، وبمصير الأميين والفقراء وهم للأسف أغلبية سكان بلادي

رابط مختصر
2016-10-06
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

Admin