جواد شفيق عضو المكتب السياسي الاشتراكي يكتب: عشرون سنة من البنيان…على أمل عشرين سنة أخرى للإنسان

جواد شفيق عضو المكتب السياسي الاشتراكي يكتب: عشرون سنة من البنيان…على أمل عشرين سنة أخرى للإنسان

عشرون سنة من البنيان….. على أمل عشرين سنة أخرى من البنيان…

بقلم الأستاذ جواد شفيق عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وكاتبه الإقليمي بفاس :

الذين يعرفون مغرب المرحوم الحسن الثاني الذي انتهى بتقديم نقد ذاتي قوي و صريح عنوانه : ” بعد 38 سنة من الحكم فإن البلاد على شفى سكتة قلبية ” .. الذين عاشوا و ” تجرعوا  ” مرارات هذا العهد( الذي كان له أيضا بعض ميزات و إيجابيات ) ، و عايشوا و تابعوا العهد ” الجديد ” ، و توسلوا إلى منطق التقابل و المقارنة بعقل ” دياكروني Diachronique ” …لابد أنهم سيستذكرون و يرددون المقولة الدائمة الحياة للفقيد عبد الرحيم بوعبيد ” مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس ” . هكذا إذن، و على وقع إرث سلبي ضخم على كل المستويات و الأصعدة و القطاعات و المجالات انطلق عهد محمد السادس ،السلطان/الملك الثالث و العشرين ضمن سلالة العلويين بكثير من الرمزيات الإيجابية المعبرة ، التي فتحت طرق سيارة في وجه أمل مغربي آخر و حلم جماعي بمغرب آخر … لعل أبرزها الاختلاف الجوهري في سرعة و شكل و طبيعة و شخوص و ” حداثة ” مراسيم توقيع عقد بيعة الملك الجديد ، و لو أن عبد الله العروي في كتابه “خواطر الصباح 1999-2007 المغرب المستحب أو مغرب الأماني ” يذكر بأن ” أول خروج رسمي من القصر إلى مسجد السنة حسب التقاليد العتيقة: اللباس سليماني، العربة عزيزية، و العودة إلى القصر على صهوة جواد أسود كما في لوحة دولاكروا ” مضيفا بأن معنى التقليد هو ” ذوبان شخصية الفرد في أمثولة( راموز )قاهرة للزمن منافية للتغيير “. و مع ذلك و رغم الطابع التقليداني الراسخ لكثير من الطقوس، فقد واصل الملك اختراقاته ” التحديثية ” ، انطلاقا من الاحترام الدائم و الدقيق للمواعيد المعلنة لخطبه( المكتوبة دائما ) ، مع التغير التدريجي في لغتها و موضوعاتها و الأسئلة التي تثيرها و صراحتها ، مرورا ببلاغ إعلان انفصال الأميرة مريم عن زوجها( و هي سابقة ) ، إلى تسريح الحريم، و زواج الملك بواحدة من عامة الشعب و إخراجها إلى الحياة العامة ، و نزوع الملك المسترسل إلى ملاقاة كل مناطق و فئات و شرائح البلاد ، و إقامة الملك بخيمة أثناء زلزال الحسيمة، و إعفاء وزير داخلية العهد الماضي ،و إرسال المسؤول الأول عن أمن القصور إلى السجن، و الترفع عن متابعة صحافة تجاوزت كل حدود اللباقة و اللياقة و اتهمت الملك شخصيا بتلقي رشاوى ، و إطلاق مسلسل المصالحات الكبرى: الإنصاف والمصالحة، خطاب أجدير ، مدونة الأسرة، المفهوم الجديد للسلطة، مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة، الحرص على شفافية و نزاهة أكثر للعمليات الانتخابية (مع تسجيل بأن الخروج عن المنهجية الديمقراطية كان نقطة غير مضيئة في هذه اللوحة التي ظلت لامعة إلى حينه )، الرسالة الملكية إلى المحتفين بذكرى اختفاء عريس الشهداء المهدي بنبركة…وصولا إلى التجاوب الملكي السريع و العميق مع مطالب النسخة المغربية للربيع ”  الخريفي ” التي انطلقت في ذكرى اليوم الأممي للعدالة الاجتماعية(20 فبراير ) ، و هو التجاوب الذي أثمر دستورا أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه لاسابق للمغرب به، حتى أنني سمعت شخصيا من أحد أشد المعارضين و هو السي محمد اليازغي ” بأنه سعيد لأن الله أحياه ليعيش هذه اللحظة الفارقة في تاريخ المغرب.

ثم واصل العهد ” الجديد ” مسلسل الاستفزاز الإيجابي للضمير و العقل الجمعي المغربي عبر طرح قضايا و أسئلة… الثروة، و فعالية و نجاعة النموذج التنموي المعتمد، و العدالة الاجتماعية و الضريبية و المجالية، و الإدارة المغربية، و الجهوية المتقدمة ، و اللاتركيز الإداري ، و إصلاح الحقل الديني، و أدوار و مهام النخب و الأحزاب ، و متانة و فعالية المؤسسات، و الهجرة ، و التغير المناخي ،و مكانة و مستقبل الشباب و النساء ، و النموذج التنموي للأقاليم الصحراوية كبديل عن سياسة الريع و الامتيازات ، و طبيعة و شكل موقعنا و علاقاتنا بمحيطنا الإقليمي المغاربي ،و القاري الإفريقي ،و القومي العربي ، و الدولي الأرومتوسطي و العالمي. و في كل هذا ، و غيره كثير و كثيف ساد الإحساس لدى المتابع الموضوعي ، المعتمد على منطق التاريخ لا الأهواء في تقييم الأشياء و الحكم عليها…بأن هاجس و وقود تحركات و مبادرات و خطابات المؤسسة الملكية كمؤسسة مركزية في النظام السياسي المغربي، كان و ما يزال هو تدارك ما تم هدره من وقت و طاقة و إمكانات، و محاولة معالجة و ردم ما تراكم من اختلالات و تفاوتات، و تصحيح صورة مملكة طالما اهتزت و تلطخت …رغم أن الإمكانيات هي نفسها و ذاتها التي كانت… لكن الإرادات ليست ذات و نفس الإرادات التي سادت. لقد بدلت المملكة كثير جهد سياسي و دستوري و ثقافي و ديبلوماسي و حقوقي… جهد رمزي و مادي أثمر ما أثمره من نتائج جعلت البلاد في صورة و وضع و موقع جيوسياسي أفضل بكثير مما كانت عليه بشهادة مؤسسات و هيئات و مختبرات و منظمات و دول و شخصيات…صديقة و خصمة. كما بدلت المملكة كثير جهد اقتصادي و تنموي و تجهيزي و استثماري أثمر من بين ما أثمره ، قطار فائق السرعة، و مئات الكيلومترات من الطرق السيارة ، و ميناء متوسطي تنافسي عالميا ، و شبكة محطات قطارات رائعة، و شبكة طرامواي مهمة، و محطات طاقة شمسية هائلة، و مناطق صناعية حديثة لاحتضان المهن الجديدة، و مطارات متجددة، و مدن و جهات تغير وجهها بالكامل نحو الأفضل(الشمال) و وكالات للتهيئة فعالة و ناجعة ( بحيرة مارتشيكا ، أبو رقراق، الأقاليم الجنوبية، أقاليم الشمال، أقاليم الشرق، الواحات،… ) ، استثمارات أجنبية متزايدة، و شراكات اقتصادية و تجارية انضافت إلى التقليدية (  إفريقيا ،الصين، الهند ، أمريكا اللاتينية ،روسيا، تركيا، آسيا، ….) ، و استراتيجيات قطاعية و مندمجة شاملة( المغرب الأخضر ، الإقلاع الصناعي ، المغرب الأزرق، …).. و في كلا الجهدين …المادي و السياسي، كان الملك حريصا في كل خطبه و أفعاله على القول بأن الغاية المثلى هي تصحيح المسار و تقويم الاختلال و تسريع و رعاية الإصلاح و ترشيد التدبير خدمة للمواطن و الوطن… و كان الملك أحرص أيضا في لحظة تقييم سيذكرها التاريخ طويلا على القول بأن المجهود التنموي خصوصا و النموذج التنموي عموما لا تنعكس ثماره على الجميع، في عطف بليغ على سؤال ” أين الثروة ؟ ” الذي سبق له طرحه. لا شك أننا بعيدون عن مغرب صيف 1999، بفعل المجهودات الاستثنائية و المبادرات الخلاقة و الأوراش المهيكلة التي انطلقت بمبادرة أو قيادة أو رعاية أو مرافقة من الملك… و لا شك أننا أبعد ما نكون عن تحقيق حلم وطني كبير تفجر يوم قال المغاربة في ذات الصيف و هم يبكون ملكا رحل و يحيون و يرحبون بملك حل ” مات الملك، عاش الملك “. لقد قطعت البلاد أشواطا معتبرة على درب تأهيل البنيان و المؤسسات و العمران(  بالمعنى الخلدوني للكلمة )… ولكن شيئا ما و خصاص ما يقول بأن وضع الإنسان ليس على ما يرام… فبعد قول الملك بحتمية الانكباب على صياغة نموذج آخر للتنمية، و بعد كثير تقارير رسمية و مدنية ، وطنية و دولية تناولت واقع الصحة و الشغل و البطالة و الدخل الفردي و النشاط الاقتصادي و منسوب الإدماج الاجتماعي و الهجرة و التعليم و التكوين و الأمية و…و الفقر و الهشاشة و العدالة الضريبية و التفاوتات و الفوارق المجالية و الاجتماعية و حال الشباب و مآل النساء و مستقبل الآتي من الأجيال…في ظل عولمة و ” كوكلة  Cocalisation ” الكرة الأرضية بكل عواصفها ، بما تستلزمه من تأهيل و تمنيع للعنصر البشري ليحمي نفسه و أوطانه . بعد كل هذه التقارير التي خلصت إلى أن بالمغرب مغربان، مغرب التيجيفي، و مغرب الوحدات الصحية العسكرية الشتوية ( و هي أيضا مبادرة ملكية نبيلة ) و بينهما طبقة وسطى تترنح بين هبوط مؤكد و صعود منشود. فإنه سيكون من المحمود أن تبادر الدولة ( بالمعنى الهيكلي المطلق للكلمة ) بقيادة جلالة الملك إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية ، لتأتي مباشرة بعد قضية الوحدة الترابية، المسألة الإجتماعية…أي الإنسان بعد أن أهلنا كثيرا من البنيان. لقد ورث الملك محمد السادس عن خلفه مغربا نجزم بأنه يعمل و سيعمل على ألا يورث مثله لخلفه و وريث عرشه ، بعد عمر طويل إن شاء الله.

#مغرب-الأمل

جواد شفيق…فاس 28 يوليوز 2019.

رابط مختصر
2019-07-29
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

hadatpress