حسن أمرير يكتب عن التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات

حسن أمرير يكتب عن التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات

بقلم: حسن امرير : إطار بجماعة الدار البيضاء

أهمية الموضوع:

إن الوضع الحالي الذي أصبحت تعيشه الجماعات الترابية في ظل وباء كورونا، والذي رفع الحجاب على واقع تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية، نظرا لما تتولاه هذه التنظيمات طبقا للقوانين التنظيمية المنظمة لها من ممارسة العديد من الاختصاصات التي يمكن من خلالها مواجهة وباء كورونا والحد منه مع ما يترتب عن ذلك من وقف العدوى، والمساهمة في تحقيق حماية الأشخاص وأقربائهم طبقا لما هو منصوص عليه في الفصل 21 من الدستور. هذا الواقع وإن أبرز تنامي الدور الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية الذي جسده ضرورة الانتقال من مرحلة التدبير التقليدي للموظفين المعتمد على تسيير الحياة الإدارية اليومية للموظفين عبر إصدار قرارات وتصرفات تقليدية (التوظيف، التنقيط، التقييم، التأديب…)، كما لم يكن هذا النمط من التسيير يعتمد على الدراسة العلمية لتحديد حاجيات الجماعات الترابية من الموارد والكفاءات البشرية، إلى مرحلة أصبحت معها الإدارة ملزمة للبحث عن أفضل السبل للتنسيق بين حاجياتها من الكفاءات والخبرات والأعداد من الموارد البشرية التي يجب بالضرورة أن تتناسب مؤهلاتها مع المهام والوظائف التي يجب شغلها بهدف انجاز المهام المنوطة بالإدارة الجماعية وفق منظومة متكاملة ومتناسقة ترتكز على الفعالية والنجاعة، وقد سبق لجلالة الملك أن أكد في خطابه بمناسبة عيد 2015 على أن “إقامة المؤسسات، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها. كما أن النمو الاقتصادي لن يكون له أيم معنى، إذا لم يؤثر في تحسين ظروف عيش المواطنين… “.

وبالرجوع إلى تقرير بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية لسنة 2015 نجده يؤكد على أنه “يتعيــن فــي هــذا الإطــار وضــع هيــاكل إداريــة ناجعــة َّ وغيــر معقــدة ومســاطر مرنــة، مــن أجــل تدبيــر حديــث لا يغلـب عليـه الطابـع البيروقراطـي، ويعتمـد أساسـا علـى التكنولوجيـات الحديثـة فـي الإعـلام والتواصـل.، ذلـك أن الاعتمـاد علـى هـذه التكنولوجيـات يمثـل خيـارا ضروريـا مـن أجـل تعزيـز إرادة الدولـة للرفـع مـن نجاعة وجـودة الخدمـات التـي تقدمهـا الإدارة”.

إن الإدارة الجماعية تعاني على مستوى مجال تدبير الموارد البشرية من العديد من الإشكاليات وخاصة منها تسوية وضعية حاملي الشهادات غير المدمجين في السلاليم المناسبة للشواهد المحصل عليها رغم قيامهم بمهام يمكن تصنيفها ضمن المهام المنوطة بمستوى تكوينهم وكفاءتهم وقضية المساعدين الإداريين خريجي مراكز التكوين …، كما أنها تعاني من إشكالية التخطيط المستقبلي لاستقطاب الكفاءات اللازمة للقيام بالمهام المنوطة بها. كل ذلك، يجعل من التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات كآلية عصرية لترشيد وعقلنة تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية موضوع ذو أهمية قصوى، نظرا لأثاره الإيجابية على فعالية وجودة الخدمات التي تقدمها للمرتفقين.

فماذا نقصد التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات؟ وما هي المراحل التي مر منها منذ طهوره إلى الآن؟

أولا: مفهوم التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات يعد التسيير التوقعي للوظائف والكفاءات إحدى المناهج التسييرية التي استخدمت لمسايرة التطورات المحيطة بالمؤسسة من خللا التحكم في مستقبل الوظائف والكفاءات، والتوقع لكل ما يحمله مستقبلها بما يخدم أهداف المؤسسة وتطلعاتها، كما يمكنها من معرفة والتحكم في التطورات التي تحدث على مستوى الأفراد من جهة والوظائف من جهة أخرى. وقبل أن يتحول التسيير التوقعي إلى إجراءات وممارسات، هو نمط للتفكير يتحلى به المديرون في المؤسسة ومن تم فإن فعاليته تظهر في صحة وسلامة القرارات المتخذة على مستوى وظيفة تسيير الموارد البشرية بدءا بتخطيط الموارد البشرية ثم. التوظيف ثم التكوين والتنمية وأخيرا التحفيز وتحقيق الرضا الوظيفي.

ويعتبر التسيير التوقعي كنشاط من أهم أنشطة تدبير الموارد البشرية، حيث يسهر على ضمان الموارد البشرية بأنواعها المختلفة بما يتفق والأهداف الإستراتيجية للمؤسسة، كما يمكنها من معرفة مواردها من الأفراد وبالتالي التنبؤ باحتياجات المؤسسة على المدى المتوسط والطويل، وتحديد الإجراءات اللازمة لكي تتحصل عليهم في الوقت المناسب.

كما أن المقاربة السوسيولوجيا للمفهوم تؤكد على أن أداء وفعالية الإدارة مرتبطان أوثق الارتباط بمستوى مردودية العنصر البشري المكون لها، فالموارد البشرية تعد ركيزة أساسية للنهوض بالإدارة وتأهيلها للاندماج في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والمساهمة في رفع التحديات التي تفرضها العولمة والتنافسية الدولية. كما عرفته وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية على أنه “تسمية تشير إلى المسؤولية التي تقع على عاتق المسؤولين ومدراء الموارد البشرية للتوصل إلى الاستخدام الأمثل لهذه الموارد، فهم مطالبون بالسهر على الرفع من مستوى الموظفين بالمصالح الإدارية وبترشيد استخدام الإمكانيات المتاحة، إلى جانب النظرة المستقبلية لما ينتظر الإدارة التي يسهرون على تدبيرها على المدى المتوسط والبعيد وذلك بتوفير ما يلزمها مستقبلا من موارد بشرية بالأعداد اللازمة، والخبرات المنشودة”.

ثانيا: مراحل تطور التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات

يجمع أغلب الدارسين أن فكرة التدبير التوقعي ليست وليدة البوم، وانما بوادرها الأولى تعود إلى فترة الستينات القرن الماضي، حيث أن طريقة التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات لم تصل إلى النموذج الحالي والأسس القائمة عليه إلا بعد مرورها على عدة أشكالا وتعرضها لتحولت مختلفة خلال فترات زمنية متعاقبة، ويمكن تقسيم تطوره التاريخي الى ما يلي:

1. التسيير التوقعي للأفراد 1960 أولا ما يلحظ هو سيادة الأسس العلمية والتي من خللها خلق التنبؤ له مكانا في إطار تسيير الأفراد، تميزت هذه الفترة بظهور بحوث العمليات وتطور العلم اللي باعتبارها مناهج وطرق تعتمد. على تحليل وإحصائيات عديدة ذات مذلولا معين تستعمل لتوجيه اختيارات المنظمة. وكان الهدف منه هو التسوية الكمية (إيجاد عدد كافي من العمال لتشغيل المؤسسة) مما جعل المؤسسات حينها تهتم بالحالات الاجتماعية لتطور الفرد. يأخذ هذا النوع من التسيير حينها بعين الاعتبار بعض المتغيرات الهامة (التكنولوجيا، المنافسة، السوق…) 2. التسيير التوقعي للمسار الوظيفي 1970 خلفا للمرحلة السابقة يسعى التسيير التوقعي للمسار الوظيفي إلى تغطية وتلبية اهتمامات تسيير الأفراد وتحديد احتياجاتهم ورغباتهم المستقبلية كذلك كفاءاتهم، ويطلق على هذا المستوى اسم التخطيط الفردي للمسار الوظيفي. ويبرزا التسيير التوقعي للمسار الوظيفي في الفترة ما بين (1970-1975) حيث كانت الحياة المهنية قبل الثمانينات عبارة عن تتبع الفرد أو بكل بساطة تسجيل مختلف المحطات التي يمر بها الفرد مثل تغيير المناصب أو الترقيات في ملفه الإداري من يوم دخوله المؤسسة إلى غاية خروجه منها. 3. تسيير التوقعي للوظائف 1980:

عرفت سنوات الثمانينات إعادة ظهور مقاربة للتسيير التوقعي، ليهتم بالمناصب تم وضع أسسها في السبعينات بعد موجات التسريحات المتتالية في قطاعات الحديد، الطاقة والألبسة، حيث ظهر التدبير التوقعي للمناصب نتيجة اختلال التوازن لوضعيات العمل وارتفاع نسبة البطالة في فرنسا بسبب تسريح عدد كبير من العمال مما جعل المؤسسات الكبرى تحاول تجنب هذا النوع من الأزمات مستقبلا، ومن تم محاولة الأخذ في الحسبان التطورات في مجالا محتوى المناصب والكفاءات المكتسبة من خلال الحياة المهنية والتفكير في نموذج جديد يرتكز على التسيير التوقعي للمناصب. ونظرا لما تميزت به هذه الفترة من قلق اتجاه الارتفاع المتزايد لمعدات البطالة وكذلك اتجاه قدرة الاقتصاد على اقتراح مناصب عمل بالعدد الكافي والملائم للمستوى التأهيلي للأجيال القادمة، فقد أسندت المؤسسة مسؤولية مزدوجة هي:

• تطوير المستوى العام للتشغيل باقتراح عدد متزايدا أو على الأقل ثابتا من المناصب؛ • اقتراح مناصب تتلاءم وطموحات الفئة العاملة. 4. التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات 1990 في نماذج التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات تعتبر لعبارة الرابعة المتمثلة في الكفاءة والتي ظهرت سنة 1986 كانت بمثابة الجسر الذي يربط بين الدراسات التوقعية وإعداد العمليات فيما يخص التسيير الفردي. فالتدبير التوقعي للموارد البشرية قد تخلى نوعا ما عن البعد الكمي والمشترك ليهتم أكثر ببعد نوعي وفردي، ان الحركات التي دعمت مقاربة فردية في تدبير الموارد البشرية رسخت مفهوم الكفاءة أكثر، خاصة ابتداء من سنوات التسعينات حيث عرف تسيير الموارد البشرية تحول كبيرا من خلال اهتمامه بمحتوى الوظائف بدلا الاهتمام بالحجم. ثالثا: مميزات التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات • لا يتوقف عند البعد الكمي، دون معرفة عن العامل ولا المهام الموكلة إليه؛ • هدفه عملي وبراغماتي أكثر من نظري ؛ • نتيجة منطقية توقعية قائمة على عمل تصوري للمعادلة موارد-أفراد؛ • منهجية وليس مجموعة من الأدوات.

رابعا: الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات

يشير منشور السيد الوزير الأول رقم 8/2004 بتاريخ فاتح يونيو 2004 بضرورة إعداد دليل مرجــعي للوظائف والكفاءات على صعيد الوزارات النموذجية خلال سنتي 2004 و2005 وباقي الوزارات ابتداء من سنة 2006، وتم إحداث لجنة مشتركة بين الوزارات باعتبارها لجنة الإشراف على إعداد الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات على مستوى مختلف الوزارات والإدارات العمومية عهد إليها في مرحلة أولى بوضع منهجية إعداد الدليل. ورغم أن الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات حجر الزاوية بالنسبة لكل سياسة تهدف إلى تثمين الموارد البشرية، وأداة أساسية ووسيلة مرجعية لتدبير أفضل للموارد البشرية مرتكز على تنظيم محكم للعمل وتنمية فعالة للكفاءات، وآلية فعالة لتطوير المهنية سواء على مستوى الأنشطة ومهام الإدارة العمومية، أو على مستوى أنشطة تدبير الموارد البشرية، فإن ظلت مغيبة في قطاع الجماعات الترابية. وعليه، فإن تطبيقه بالجماعات الترابية سيضع حدا للتدبير التقليدي للموظفين، حيث يمكن من توضيح مفهوم العمل ومفهوم الموارد البشرية بإعطائها إطارا وركيزة مؤسساتية، ويسمح بالتمييز بين مختلف مستويات المسؤولية وتنظيم العلاقات في إنجاز مهام الإدارة، كما يمكن الدليل من وضع الأسس لإدراج معادلة إنسان/وظيفة. يعتبر ورش إعداد الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات بالجماعات الترابية من بين الأوراش الإستراتيجية للوظيفة الجماعية الترابية، بحكم غنى وتشعب وظائف واختصاصات الجماعات والتي تجعل من هذا المرجع وثيقة أساسية بل مرجعية. وإذا كانت بنية التدبير الإداري قد عرفت استقرارا وتطورا من خلال إصدار مرسوم ولوج المناصب والمسؤوليات والاستفادة من خدمات النظام المندمج للموارد البشرية، فإن مجال التدبير التوقعي لهذه الموارد لا يمكنه أن يكون عمليا وذا قيمة مضافة دون وجود مرجع للوظائف والكفاءات وهي الوثيقة المعيارية التي تقوم كل جماعة ترابية بإنجازها بواسطة فريق عمل مكون لهذه الغاية. تتضمن هذه الوثيقة وصفا دقيقا وتحليليا لما تتضمنه كل وظيفة من بيانات مفصلة وتحديد المواصفات والشروط الواجب التوفر عليها، ومن تم بلورة إطار مرجعي للكفاءات يمكن من معرفة وضبط خرائط الوظائف الموجودة والبيانات المكونة لها مع جرد المعايير التي تتطلبها كل وظيفة. هكذا، فإن الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات يساعد على الاستثمار الأمثل والاستعمال الجيد للموارد البشرية، سواء تعلق الأمر بالتوظيف أو الترقية أو تقوية الأداء أو التأديب أو التكوين المستمر، والهدف من ذلك هو التحكم في تطوير الهياكل التنظيمية للجماعات الترابية وبالتالي العمل على تثمين مواردها البشرية في إطار مقاربة شمولية لتجويد الخدمات المقدمة للمرتفقين والمساهمة في التنمية المستدامة المنشودة.

هذه المداخلة في الندوة الرقمية للجمعية الوطنية لموظفي الجماعات الترابية بالمغرب بتنسيق مع مركز والتوجيه يوم الأربعاء 17 يونيو 2020.

رابط مختصر
2020-06-18
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

hadat press