عصام خربوش: جوانب أساسية في علل الشراكة بين الجهاز العمومي والحركة الجمعوية

عصام خربوش: جوانب أساسية في علل الشراكة بين الجهاز العمومي والحركة الجمعوية

جوانب أساسية في علل الشراكة بين الجهاز العمومي والحركة الجمعوية: بقلم الباحث في علم الاجتماع السياسي الأستاذ عصام خربوش.

لاشك أن الشراكة مع الجمعيات حققت نتائج هامة في مجالات تنموية متعددة. والأكيد أن كل ذلك يحدث في ظل واقع يعج بإكراهات مختلفة.

– إكراه الإيقاع العمومي: يتعين على الجهاز الإداري الذي يعقد اتفاق شراكة مع الجمعيات أن يضبط إيقاعه على نفس وثيرتها، وأن يخفف من وطأة الإجراءات والتعقيدات والمساطر، ويكون على استعداد لمواكبة أنشطتها والتزاماتها المنصوص عليها في عقد الاتفاق،  غير أن الواقع ينجب مئات الجمعيات المعزولة والبعيدة عن المصالح الإدارية المعنية التي لا تستطيع المتابعة المتواصلة للعمل الذي يقوم به هذا الشريك. فمن بين الإكراهات الأساسية لهذا النوع من الشراكة، نشير تحديدا إلى أن لكل شريك أو فاعل آفاقه وإيقاعه الخاص، بحيث أنها تمر عبر مراحل ومحطات مشتركة في حين تظل معه وتيرة الجهاز العمومي مرتبطة بالإجراءات الإدارية بمعناها الواسع، كالزمن المطلوب للتحقيق في الوثائق و مشاريع الميزانيات السنوية والبرمجة المتعددة السنوات. ولكي ينصهر الجهاز العمومي في الشراكة عليه أن يكون قادرا على ملائمة إيقاع عمله مع الإيقاع الذي يتبعه الآخرون … ولا نعني بذلك عملية المراقبة والتقييم فقط، لأن تحقيق الهدف يتطلب أكثر من مراعاة الشكليات وكل والشروط، ويستدعي وضع الميكنزمات التي تجعل الجهاز العمومي يصاحب الجمعيات الشريكة، وينظر إلى ما تواجهه من عراقيل لكي يساعدها على تخطيها.

– تنميط الشراكة: إن وضع نموذج لاتفاقية الشراكة في نطاق معين يسهل عملية التعاقد، لكنه يطرح مشكلة التنميط. أي الخضوع لشكل محدد مفروض مسبقا على الجمعيات التي تتقدم بطلباتها للمصالح الإدارية المختصة. هذا النموذج شبيه بما يعرف في القانون المدني بعقد الإذعان، الذي ينص على التزامات وشروط يفرضها الطرف الأول على الآخرين وهي غير قالبلة للتعديل في جميع الأحوال. وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ محمد اليعقوبي أن : الإشكالية تتعقد أكثر حينما يتعلق الأمر بالدخول في شراكة على المدى الطويل مع الفاعلين الآخرين. لأن الشراكة الحقيقية ترتكز على حرية التفاوض والمبادرة لكل الأطراف، وإلا سيؤدي عكس ذلك بالسلطات العمومية إلى خنق وقمع فاعلين تعتقد أنها تحتضنهم. إن المفروض في الشراكة مع الجمعيات في الميادين الحيوية، والمتعلقة بمحاربة الفقر والحد من تجليات الهشاشة ومسبباتها وتجفيف منابع التهميش، هو البحث عن حلول وأفكار جديدة، والاستعانة بكفاءات مسيريها وأطرها، وتجاربها في الأنشطة ذات الصلة بالتنمية البشرية والشاملة من أجل الارتقاء إلى ذلك العمل التنموي المتكامل الجوانب. بيد أن تنميطها من خلال وضع نموذج واحد يهم جميع الجمعيات ولا يراعي الفوارق السائدة بينهما من حيث القدرات التي تتوفر عليها، يقضي على هذه الإمكانية إلى حد بعيد، ويمكن أن تتمخض عنه نتائج سلبية على الغاية المتوخاة من هذه الشراكة المنمطة.

– في اختلات العمل الجمعوي: إذا كان العمل الجمعوي يعيش في السابق نزعة تجزيئية ألقت به في دوائر محدودة ومغلقة، فإنه في الظرفية الراهنة يتجه نحو جسور التفاعل مع مختلف الميادين بالموازاة مع الخضوع لمحك الواقع اليومي. وبالتالي فهو يستطيع أكثر من أية مؤسسة أو بنية اجتماعية أخرى إنتاج المحاولات الخلاقة التي تتماشى وقضايا المواطنين. لكن وبحكم ارتباطه المتواصل بالفئات الشعبية غالبا ما يسقط النسيج الجمعوي في تغليب جانب الكم على حساب الكيف. إن التيار السائد والمهيمن، يقيس نجاح البرامج بإقبال الجماهير عليها، بينما الأهم في كل ذلك يكمن في التجاوب مع تطلعات وانتظارات الفقراء والمهمشين والراغبين في النضال من أجل مستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة. فعنق الزجاجة الذي لا يزال يحاصر الحركة الجمعوية هي القدرة على الإنجاز والفعل التنموي الملموس. كما أن النسيج الجمعوي في حاجة إلى الرفع من مستوى الشفافية والنجاعة في أدائه، من خلال تدقيق التسيير الاداري والمالي الذي يعرف عددا من الإشكالات ومظاهر الضعف، خاصة الحاجة الى تكريس الشفافية المالية وتعزيز الشرعية والمشروعية المحساباتية مع الاشتغال على الاحترافية والمهنية في التدبير بشكل عام. هذه الاتهامات الخطيرة تسترعي الاهتمام وتحتم التحقق من مداها، اعتبارا لتداعياتها التي قد تنسف أسس الشراكة بين الدولة والجمعيات من أجل العمل على تحقيق التنمية المنشودة، مادام أن المفروض هو صرف المال العام بغاية محددة. وفي هذا الإطار، من الصعب العثور على وثائق أو أدلة تدين أحد أعضاء الجمعيات، علما أن مصدر سوء التسيير قد يكون هو الشريك الأول أي الإدارة وليس بالضرورة من الهامش المتروك لدور الجمعيات. لنتصور عملية تواطؤ بين الإدارة ومسيرو جمعية معنية على جعل التنفيذ أو قسما منه وهميا، بمعنى على الورق فقط. على هذا النحو ستكون الخسارة فادحة، لأنها مزدوجة: ضياع المال العام من أجل الاحتفاظ بالفقر وتعميق الأزمة بدل العكس. لذا يتعين على المسؤولين ومسيري الجمعيات أن يدركوا جيدا أن المال العام يحرق الأيادي التي تمتد إليه بدون موجب حق. وإذا كانت الإدانة في مثل هذه القضايا لها مجالها الخاص وما يرتبط به من قواعد ومساطر وإجراءات. فإن احتمال سوء تسيير برامج الشراكة بين الجهاز العمومي و الجمعيات يبقى قائما بالأوجه التي بدت وغيرها.

رابط مختصر
2018-07-29 2018-07-29
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

حدث بريس