نسرين مشواط: إعلام يكرس الاستبداد والجهل

نسرين مشواط:  إعلام يكرس الاستبداد والجهل

بقلم نسرين مشواط :

إن السؤال الذي يطرح نفسه بدون نقاش، لماذا أصبح الجهل مسيطرا على كل شيء ؟، أيعقل لأمة لها تاريخ عريق وموروث ثقافي غني أن تستغني عن العقل  ويستفشي  الجهل في شعوبها ؟ ، أيعقل أن يكون إعلام هذه الأمم ساذج لدرجة عرض مسلسلات تكرر نفس المحتوى  ؟، أيعقل أن تكون البرامج الترفيهية في القنوات الفضائية تحتل النصيب الأكبر وكأن الأمة العربية ليست لها مشاكل وشعوبها تعيش الرفاهية المطلقة ؟ ،  وهل يعقل ألا يهتم  الإعلاميون برصد التظاهرات العلمية و الثقافية ؟ ، ألم يحن الأوان لإعمال العقل ؟ ، أم أن الجهل استوطن العقول ؟ ، فإلى أي حد يستطيع الوعي إنقاد الإنسانية من جهنمية الجهل الذي غايته تكريس سيادة الإستبداد ؟

إن الجواب عن كل التساؤلات السالفة الذكر تستدعي  تفعيل الوعي الإنساني  من أجل تحرير الأمة من جحيم الجهل : أي تحرير العقل البشري في عملية بحثه من كل القيود والأغلال وتحريره من الإستغلال حتى لا يكون موظفا لجهة دون الجهات الاخرى.

إن إعمال العقل يتعارض مع  قوى الشر واللاوعي واللامسؤولية  ، وينتصر لقوى الخيرالمتمثلة في مناصرة  الوعي الإنساني، فما الذي حدث للإنسان في عصرنا الحالي ؟.

لقد أصبح  الإنسان في عصرنا هذا  يعاني  من الإستلاب الذي يمارسه عليه الإعلام ، فالتلفاز والأنترتيت وجميع وسائل الإتصال الحديثة  لم تعد تقوم بدورها التوعوي ، بقدر ما أصبحت تروج لإديولوجيات معينة  تهدف من خلالها تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية ،  فالإديولوجيات  لم يكن في يوم من الأيام هدفها  تقديم الخير للإنسانية ،لذلك يعيش الإنسان حاليا حالة إستلاب وخضوع وعبودية ، لأن الإعلام تخلى عن الجانب القيمي والأخلاقي ، وأضحى هدفه هو تحقيق الربح ، فنسي  الإعلامي أنه إنسان ، لأن الغاية تبرر الوسيلة، ولما  تكون وسيلة الإعلام غايتها الربح يصبح  كل شيء مبرر وعادي، فكل ما حدث هو نتاج الثورة العلمية والتقنية الذي استهدفت العقول وأفرغتها من جانبها الأخلاقي والإنساني حتى أصبح الهم الأكبر للأفراد هو الإستهلاك المباشر لكل شيء ، و أضحى الفرد لا يحس  بوجوده إلا في ظل دوامة الإستهلاك وعلى حد تعبير نيتشه في كتابه ما وراء الخير والشر  ” احذروا  التقدم التكنولوجي الذي لا غاية له إلا ذاته ،احذروا حركته الجهنمية التي لا تتوقف عند حد ستلد في المستقبل  أفراد طيعين خانعين  مستعبدين  يعيشون كالآلات ، احذروا هذه الدورة الطاحنة للمال ورأس المال والإنتاج الذي يستهلك نفسه بفسه ،احذروا عصر العدمية الذي سيأتي لا محالة ” .

مما لا شك فيه أن  تحذير نيتشه  كان في محله  لأن التقدم التكنولوجي أضر بالانسان، فالإعلام في شتى أقطار العالم ليس نزيها ،لأن في النهاية هناك رأسمالية متوحشة هدفها هو تحقيق الربح أولا وأخيرا ، فإذا كان العالم تحت رحمة الرأسماليين فماذا سيحدث مستقبلا ؟

من هنا سيكون سؤال ما جدوى العلم و إذا لم يخدم إنسانية الإنسان سؤال في غاية الأهمية  ، فالهدف الرئيسي من إعمال العقل هو هدم صناعة الجهل بكل تشكلاتها  سواء منها المباشرة أو غير المباشرة ، فمشروع التحرير لن يكتمل في ظل إعلام ساذج وأمم جاهلة وغياب تام للوعي والمسؤولية ،لأن أنصار العدل والمساواة  لن يقبلوا بالإعلام الساذج ،لأنهم ينتصرون في واقع الأمر لحقوق الشعب المظلوم، المحرومون من أبسط حقوقهم في الاحترام  والعيش الكريم .

       إن الذات العاقلة والواعية  والمريدة والحرة هدفها هدم الأوهام،  لبناء إعلام مسؤول يربي أجيال المستقبل على مبادئ الحرية والمساواة والعدل وليس إعلام يكرس الإستبداد والجهل  .

 

رابط مختصر
2018-04-16
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

حدث بريس