إدريس الوردي يكتب ماقبل ومع كورونا

إدريس الوردي يكتب ماقبل ومع كورونا

بقلم الأستاذ إدريس .

ما قبل كورونا:

كانوا هناك بالمهجر للعمل أو السياحة أو الإستشفاء، يعودون لأوطانهم في العطل والمناسبات بدون إكراه أو جثامين في الصناديق بتكليف من الدولة أو بواسطة تأمين مؤدى سلفا ، هكذا كانت تمر الأشياء، وقد عايشت و شاهدت بعض الحالات التي لا زالت راسخة بذاكرتي سأسردها تباعا.

– في نهاية التسعينات، كان يرقد خالي الحاج احمد بإحدى المستشفيات الفرنسية بعدما قضى هناك أكثر من ثلاثين سنة كمهاجر، وفي لحظاته الأخيرة لزوجته وأولاده وهم يتحلقون به اريد ان ادفن في بلدتي وتقام لي الجنازة بمنزل أختي، فكان جوابهم أن عمتنا ماتت السنة الماضية، فقال أعرف وأعرف أن أولادها لا زالوا هناك، وبالفعل يجئ بجثمانه الطاهر في ثابوث من خشب رفيع وبه صفيحة نحاسية كتب عليه الإسم و مسار الحياة، يوم ولد ويوم مات، إستقبلته القبيلة وألقت عليه النظرة الأخيرة، وشيع في مأثم رهيب في مقبرة بسيطة لا تحاط بأسوار، بها أشجار باسقة وكثيفة – شجرة البري – تثير الرعب ويتوسطها بناء طيني لولي يسمى سيدي أحمد البطار، وللإشارة فهو اول قبر يتم بناءه بالإسمنت والزليج، ووضعت له قبرية في مقبرتنا.

– عشنا معه اطوار الشوط الأول من المؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي باعتباره رئيس اللجنة التحضيرية، إنه الصحفي الملتزم والمناضل الكبير السي محمد بنيحيى ، الذي غيبه الموت هناك ، وقد كان اللقاء به كجثة هامدة بمطار فاس سايس ذات ليلة صيفية وودعناه بمقبرة بمكناس حيث ولد و حيث نشأ، كل الاطياف السياسية والنقابية و كل الشخصيات جاءت لتنعيه………

– الفاجعة الكبرى ، كانت في خبر رحيل أخونا وصديقنا مصطفى الدحموني ، يوم توقف قلبه الرهيف عن الخفقان ، لم نصدق الامر إلا يوم تسلمنا جثته ليلا بالمطار – أربعة جثامين تلك الليلة – بحضور جماهير غفيرة حيث زفيناه عريسا لوالدته المكلومة و بحضور أولاده الصغار الذين لا يعرفون شيئا سوى انهم في زيارة للمغرب، كانت الجنازة وكان الأصدقاء من كل ربوع الوطن،دفناه وأبناه في تربة وطنه.

– الحالتان الأخيرتان هما خارج الوطن تتبعتهم عبر الشاشة ،للقائل يا *جبل ما يهز ريح * و * أتيتكم بغصن زيتون في يدي ،فلا تدعوه يسقط مني* إنه الشهيد أبو عمار والشاعر الكبير الذي كتب للثورة والإنسانية والحب والقائل: ” خير ما عندا تركناه هناك “. إنه محمود درويش … وحالات اخرى .

جثماناهما حلقا في السماء عابرين لثلاث قارات، لم تستطع توثر العلاقات الدولية أن تمنعهما لمعانقة تربة بلدهم الطاهرة رغم الحرب والحصار.

مع كورونا: 

بعد إجتياح هذا الوباء لبقاع المعمور غير عابئ برجال الجمارك و لا شرطة الحدود ، غير حامل لجواز سفر و لا تأشيرة دخول ، بل مهاجرا سريا يتسلل عبر الأجساد البشرية، لم يقم فقط بإصابة البشر و قتلهم ، بل جمد حركة التجوال و فرض حالة الطوارئ ، فاصبح أصحاب الزيارات القصيرة مقيمين، والموتى لا عودة لهم ، يدفنون حيث ماتوا ط إذ لا تحويل للجثامين مع هذه الجائحة.

إستطاع ان يفرض علينا أشياء لم نكن لنقبلها، الدفن بأرض الغربة كالجندي المجهول وهم كذلك، جنود في معركة بدون سلاح ، بقوا هناك يقاومون لكي لا يتسرب العدو إلى مناطق أخرى وإفشال خططه اللعينة المبنية على كون البشرية صواريخ و هو رؤوس نووية…

ترى هل ستعود الجثامين إلى اوطانها ومعانقة تربتها ؟. و هل سيبقى الفيروس فيما تبقى من أجسادهم.

رابط مختصر
2020-04-17
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة حدث بريس الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

hadat press